محمد الغزالي

239

خلق المسلم

من الحياة الأولى للحياة الكبرى . وإنه لمن فضل اللّه ودلائل توفيقه أن يلهم الرجل استغلال كل ساعة من عمره في العمل ، والاستجمام من جهد استعدادا لجهد آخر . وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ، وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ « 1 » . ومن المؤسف أن العوام لا يبالون بإضاعة أوقاتهم سدى ، ويضمون إلى هذه الجريمة السطو على أوقات غيرهم لإراقتها على التراب ، وإنهم ليقتحمون على رجال الأعمال خلواتهم الجادة ليشغلوهم بالشؤون التافهة . وصدق رسول اللّه : « نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ » « 2 » . ومن استغلال الإسلام للوقت بأفضل الوسائل حثه على مداومة العمل وإن كان قليلا . وكراهيته للكثير المنقطع . وذلك أن استدامة العمل القليل مع اطّراد الزمن وسيره الموصول يجعل من التافه الضئيل زنة الجبال من حيث لا يشعر المرء . أما أن تهيج بالإنسان رغبة سريعة فتدفعه إلى الإكثار والإسراف ، ثم تغلب عليه السآمة فينقطع ، فهذا ما يكرهه الإسلام . وفي الحديث : « يا أيها الناس خذوا من الأعمال ما تطيقون ، فإن اللّه تعالى لا يمل حتى تملوا . وإن أحب الأعمال إلى اللّه ما دام وإن قل » « 3 » . وفي رواية : « سددوا ، وقاربوا ، واغدوا ، وروحوا ، وشيئا من الدلجة . والقصد القصد تبلغوا » « 4 » . . وعن عائشة : دخل عليّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وعندي امرأة من بني أسد ، فقال : « من هذه ؟ قلت : فلانة ، لا تنام الليل . فقال : مه ، عليكم من الأعمال ما تطيقون ، وكان أحب الدين إليه ما دام عليه صاحبه » « 5 » .

--> ( 1 ) القصص : 73 . ( 2 و 3 و 4 ) البخاري ومسلم . ( 5 ) مسلم .